الجمعة 2018/1/19   توقيـت بغداد
وكالــة نهريــن نيـــوز
Nahrain Network for Radio & TV
الأخبار
العرب بين إمتلاك القشرة والتمكّن من النواة
العرب بين إمتلاك القشرة والتمكّن من النواة
مقالات
أضيف بواسـطة nahrains
الكاتب الدكتور نسيم الخوري
النـص :

بلمح البصر وأنت على الحافة تخطو نحو عامٍ جديد؟، وفي زمن الإعياء العربي، قفزت عين العالم نحو الدماءفي إيران حيث ننظر الىالدم السوري والعراقي طريّاًلم يركن بعدإلى السلامفإزالة الركاموإعادة الإعمار.قد تغمر الدهشة لمن يفلش أمامه تاريخ أرض لطالما كانتكما مثلّث برمودا،وما زالتجاذباً أرضياً وسماوياً لحضارات وشعوبمصّت عظام بعضها البعض بالتداور والتناوب ثمّطحنتها منذ الفراعنة والفرس والرومان والإغريق واليهودية والمسيحية والإسلام والصليبيون والمغول والتتار والبربر والأتراك، وتداخلت عبرها الهجرات الشركسية والقوقازية والأرمنية والتركمانية والكردية والإلبانية…الخ…إلخ كي نحافظ على المساحة المخصصّة لنا في هدأة الخليج العربي.قد يستحيل التفكير، في التعرّف على زمن/ مستقبل نهائي لبلاد العرب والمسلمين وهم يعبرون بخياراتهم الطبيعية أو بالقوّة الخارجية المضائق الوعرة الكثيرة عبر هذه الألفية الثالثة الصعبة. هناك تحوّلات هائلة في الشكل السريع الذي يجتاح العالمويجعله مساحةًتتوق إليه الشعوب وتقتنيه وتستهلكه في العمران وأنماط العيش. تضاهيه في القشرة الخارجية ونادراً ما تتحدّاه في إمتلاك النواة النووية، لكنها تبقى تفترق عنه فلا تتجاوزهوتعصى عن فهمه وفكّ مراميه وتجربتهوتراكم خبراته ومطامحه بمايولّد فجوات هائلة بين حداثة المجتمعات وتحديثها أي بين النواة والقشرة الخارجيّة وإصطلاحاً بين الشرق والغرب.التحديث ظاهرة تعجّ بها البلاد العربيّةالتي لا عقد لها مع الغرب، وتتحضّر له البلاد المدمّرة ب”الربيع العربي” حيث لا فرق بين بلدٍ عربي وآخر سوى في مقاربة التحديث والحداثة معاً. كلاهما متلازمان ويستحيل فصلهما.تأتي النتيجة صادمة قطعاً للأنظمة لأنها تدفع بشعوبها للقفز فوق الحداثة طلباً لتذوق الحريّة والعدالة لأنّ الحداثة نواة الحريّة الكاملة المشابهة للحلم والشعر، وهو ما نفهمهعندما نقرأ ما بعد تحديث المدينة في “أزهار الشر” لشاعر الحداثة الفرنسي شارل بودلير( 1821- 1867)حيث كتب نثراً في 1857:” هكذا يتحرّك، يركض، يبحث. عمّ يبحث هذا الإنسان الوحيد المزوّد بمخيلة نشطة مبدعة في صحاري البشر الشاسعة؟ إنّه الإنسان الباحث عن أمرٍ يمكن أن نسمّيه الحداثة لا التحديث”. لم يكتف نابليون بونابرت بالجادات الفسيحة والجنائن والقصور التاريخية لتحديث فرنسا، بل أطلق بذور الثورة الفرنسية في العقل البشري بحثاً عن الحريّة والإخاء والمساواة والعدالة التي كان قد جهّزها له مفكرو عصر الأنوار.يوقظ التحوّل الشكلي لدى الشرقيين الدهشة العارمة لسهولة إقتناء “الحضارة” أو الرفض الكامل لدى الآخرين. كان الشكل ميدان التحوّلات الطفيفة ، لكنّ المضمون بقي صلباُلكنّ تحوّلات الشكل تجعل من التغيير حاجةً للسير في العصر.الحقيقة، أنّه مهما تناقضت المواقف من هذه التحوّلات السريعة، فإنّ كلّ كلام في التحوّل والتغيير يشدّنا بالضرورة نحو الغرب الذي يحرّض المجتمعات الأخرى لكنّه لا يساعدها دوماً على النهوض، بقدر ما يغذّي ردود أفعالها في العودة الى الدين للإحتماء به، ليفجّرها من داخل كما نتابع اليوم خطى الربيع العربي نحو بلاد فارس.

تنعكس ظاهرة التحوّل في الشكل الى مستويات متعدّدة:

1- المستوى العربي العام: وتبرز فيه أزمات التفاعل مع الآخر المحرّض أو المحوّل أو الغريب مهما كان إنساناً أو لغةً أخرى أو آلةً جديدة مبتكرة أو “حضارة” بمعناها الشامل. وتصبح العلاقة مع هذا الآخر مسنودة على إستيراد مكتشفات الشعوب الأخرى لا على فهم أو مشاركة أو إبداع أو خلق تساعدنا في الإجابة على أسئلة الإنسان العربي وحاجاته. إنّها علاقة إستيراد، إفراغ، إقتباس لا علاقة تصدير وإمتلاء وخلق. علاقات إنفعال وردود أفعالٍ وإعتداد لا علاقات تفاعل وهضم وعلم ومشاركة، وهذا ما يؤدّي، في الغالب، الى حيرة المجتمعات العربية وتململها أي ألينتها Aliénation: لا الدين كفيل بالإجابة على أسئلة العصور المتلاحقة، ولا الشكل الجديد للمجتمع قادر أن يفي بحاجات المضامين والتجارب الجديدة ومقتضياتها. وهكذا تبرز الأسباب التي تتوه عبرها المجتمعات وتنقسم لتفتح الأبواب الموصدة بسهولةٍ على النصادم. ويغدو المجتمع الواحد مجتمعات متعدّدة لا تنوّع فيها، متنافرة، متقاتلة، ينكفيء بعضها نحو أوراق السلف ملتمساً السلامة، ويضيع البعض الآخر في إجتهادات ترسّخ الجوهر فتعصرنه، وما تبقّى من المجتمعات يبدو مسخاً لا هو من السلفية بشيء ولا هو في التجديدية بشيءٍ آخر.

2-مستوى الفرد، تبدو النتائج متشابهة. إنسان عربي موصومبصورة نمطية قشرتها سميكة. متهالك على القداسة وكأنّه لم يصب بالشك والبحث ولا خلاص له سوى بالتوفيق بين جيلين مزدوجين: القديم والهجين والجديد.وإذا ما غاب الشكل وتهدّد الجوهر بغزو قوي غربي عسكري،يصبح الفرد قابلاً للتحوّل الكامل الى حضن البطل، يحترق فيه كلاميّاً فيتناثر. وإذ يذوي البطل أو يقتل أو  تنقلب الدنيا الخارجية عليه، يتحوّل إلى مخلّص نفرغ فيه هموم العجز عن التغيير أو يرونه شيطاناً وعميلاً ظالماً وكافراً من صناعة الغرب. إزدواجية تتمدّد في إنتظار بطلٍ جديد قد يكون فرداً أو حزباً مستورداً يبقى مقبولاً ومفتوحاً على معظم الأفكار والعقائد شرط ألاّ يطال الجديد لبّ الثمرة في المجتمع.

3- مستوى التعامل مع الجوهر: وهنا نقع في إمكانيّات التحوّل والتطوير والتجديد من داخل لا من القشور بما يتجاوز كل البريق الذي تحمله الأشكال التحديثية للمجتمعات العربيّة. تطاول هذه الإمكانيات شرائح متوفّرة ومتنامية في العالم العربي لكنها تبقى أسيرة دوائر العلاقات الرحمية مع الفكر الديني”.إنّ مجمل “الثورات” التي شهدها العرب بقديمها وحديثها وصولاً الى “الربيع العربي” لم تصل أو تقدّم التحوّل اليسير أو تطاول الجوهر أو تحكّ قشرته الخارجية. هناك إختلاط جذور هائل بين العقائد والإيديولوجيا والدين. غالباً ما يتكفّل الدين بشكلٍ خاص بقوانين التكيّف الطارئة أو المستجدّة والتي تقتضي التوفيق والقبول الدائمين بين المفاهيم التاريخية الحديثة والرؤى الإجتهادية التي تتجاوز المفاهيم وتختنزنها في الزمان المقبل بحمولاته الفكرية الجديدة.لا يعني إمتلاك القشرة التمكّن من النواة. أنت تأكل الثمرة بقشرتها ونواتها أو بذورها وقد ترميهما، لكنّ النواة غالباً ما تختزن الحياة إذا ما رعيتها أنت قادر عبرها على المساهمة في خلق الأفكار وتوليد الأجيال والمخترعات الجديدة اللامتناهية في قدريّة الصداقة بين الحياة والموت.

المشـاهدات 27   تاريخ الإضافـة 06/01/2018   رقم المحتوى 1452
أضف تقييـم